نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

15

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

لكم وَلا تَحْزَنُوا على فوت الثواب على ما فعلتم بعد التوبة . والرابع : للزهاد أَلَّا تَخافُوا الحشر والحساب وَلا تَحْزَنُوا من نقصان الإضعاف وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ بلا حساب ولا عذاب . والخامس : للعلماء الذين يعلمون الناس الخير وعملوا بالعلم يقال لهم : أَلَّا تَخافُوا من أهوال يوم القيامة وَلا تَحْزَنُوا فإنه يجزيكم بما عملتم وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ لكم ولمن اقتدى بكم ، وطوبى لمن كان آخر أمره البشارة ، فإنما تكون البشارة لمن كان مؤمنا محسنا في عمله فتتنزل عليه الملائكة فيقولون للملائكة من أنتم ؟ فما رأينا أحسن وجوها ولا أطيب ريحا منكم ؟ فيقولون نحن أولياؤكم ، يعني حفظتكم الذين كنا نكتب أعمالكم في الحياة الدنيا ، ونحن أولياؤكم في الآخرة ، فينبغي للعاقل أن يتنبه من رقدة الغفلة . وعلامة من انتبه من رقدة الغفلة أربعة أشياء . أوّلها : أن يدبر أمر الدنيا بالقناعة والتسويف . والثاني : أن يدبر أمر الآخرة بالحرص والتعجيل . والثالث : أن يدبر أمر الدين بالعلم والاجتهاد . والرابع : أن يدبر أمر الخلق بالنصيحة والمداراة ، ويقال أفضل الناس من كان فيه خمس خصال . أوّلها : أن يكون على عبادة ربه مقبلا . والثاني : أن يكون نفعه للخلق ظاهرا . والثالث : أن يكون الناس من شره آمنين . والرابع : أن يكون عما في أيدي الناس آيسا . والخامس : أن يكون للموت مستعدا . واعلم يا أخي أنا خلقنا للموت فلا مهرب منه قال اللّه تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وقال تعالى قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ فالواجب على كل مسلم الاستعداد للموت قبل نزوله قال اللّه تعالى : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فبين اللّه تعالى أن الصادق يتمنى الموت ، وأن الكاذب يفرّ من الموت من سوء عمله ، لأن المؤمن الصادق قد استعد للموت فهو يتمناه اشتياقا إلى ربه ، كما روي عن أبي الدرداء أنه قال : أحب الفقر تواضعا لربي ، وأحب المرض تكفيرا للخطايا ، وأحب الموت اشتياقا إلى ربي . وروي عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : ما من نفس بارة أو فاجرة إلا والموت خير لها ، فإن كانت بارة فقد قال اللّه تعالى وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ وإن كانت فاجرة فقد قال اللّه تعالى : إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ وروي عن أنس بن مالك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « الموت راحة المؤمن » وروى ابن مسعود عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه سئل : « أي المؤمنين أفضل ؟ قال : أحسنهم خلقا ، قيل : وأي المؤمنين أكيس ؟ قال : أكثرهم للموت ذكر وأحسنهم له استعدادا » قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والفاجر من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه تعالى الأماني » يعني المغفرة .